الآخوند الخراساني

539

درر الفوائد في الحاشية على الفرائد

حكمه به إنّما كان مراعاتا لجانب الواقع المحرز واقعا بالوجدان ، أو جعلا بما نراه من العيان من أدلَّة الاعتبار ، كما هو المفروض . وفيه نظر يظهر وجهه ممّا يأتي الآن ، توضيح المرام يستدعى بسطا في الكلام في بيان ما للعلم الإجماليّ من الأقسام وتفصيل ما لها من الأحكام . فاعلم أنّ العلم الإجماليّ إمّا يكون مسبوقا بالعلم التفصيلي أم لا ، وعلى التقديرين إمّا أن يقوم على ما يساوي المعلوم الإجماليّ علم أو ظن معتبر أو لا ، فهذه صور لا إشكال في الاحتياط فيما إذا لم يقم هناك العلم أو الظنّ المعتبر بما يساوي للمعلوم الإجماليّ ، كما لا إشكال في عدم وجوب الاجتناب في غير ما علم تفصيلا من المساوي للمعلوم الإجماليّ فيما إذا لم يكن مسبوقا بالعلم التفصيلي مطلقا ، احتمل زيادته على المعلوم الإجماليّ أولا ، وذلك أمّا إذا لم يكن محتمله فلعدم احتمال حرمة غير ما علم تفصيلا حرمته حينئذ ، وأمّا إذا كان محتمله فلانطباق ما علم إجمالا مع ما علم تفصيلا ، لأنّه لم يكن معنونا إلَّا بعنوان الحرام الواقعي ، وبديهيّة أنّ ما علم حرمته تفصيلا يكون معنونا به بعينه . ومن المعلوم عدم تنجّز أزيد ممّا علم إجمالا على ما هو عليه من العنوان ، وأمّا فيما ظنّ ظنّا معتبرا بما يساوي المعلوم الإجماليّ في الصّورة بصورتها ، فقد يشكل في عدم وجوب الأخذ بموجب الاحتياط في غير المظنون فيه ببقاء موجبه من العلم الإجماليّ مجاله . وربّما يجاب بما أشرنا إليه من أنّ العلم الإجماليّ وإن كان باقيا ، إلَّا أنّ أثره من الاحتياط مراعاة للتّكليف المردّد بين الأطراف قد ارتفع لإحراز ما ينطبق مع ما تنجز تعبّدا . وفيه أنّ الانطباق ليس من الآثار الشرعيّة ولا العقليّة للواقع الَّذي قامت عليه الأمارة ليثبت بها على ما هو شأن الأمارات من إثبات آثار ما قامت عليه ولو كانت عقليّة ، بخلاف الأصول حيث لا يثبت بها إلَّا الآثار الشرعيّة على ما تقرّر في محلَّه ، بل هو من الآثار العقليّة للمعلوم بما هو معلوم ، لا بما هو واقع . والتحقيق في حلّ الإشكال أن يقال : انّه كما لو قامت الأمارة على التّكليف في بعض الأطراف قبل حصول العلم أو مقارنا له ، فلا إشكال في جريان أصالة الإباحة في باقي الأطراف ، حيث لا يجري في الطَّرف الآخر كي تعارض بمثلها ، فكذلك لو ظفر على قيام الأمارة على التكليف بعد العلم ، لأن مفادها هو الحكم بالتكليف فيه من أوّل الأمر ، فيستكشف بها عدم كونه مجرى لأصالة الإباحة من الأوّل لكان غايتها فيه ، فتكون في الباقي بلا معارض .